عبد الرحمن السهيلي
142
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وذكر حديث أبي قتادة في سلب القتيل ، قال : فاشتريت بثمنه مخرفاً فإنه لأول مال اعتقدته ، يقال : اعتقدت مالي ، أي : اتخذت منه عقدةً ، كما تقول : نبذة ، أو قطعة ، والأصل فيه من العقد ، وأن من ملك شيئاً عقد عليه ، وأنشد أبو علي الفالي : ولما رأيت الدّهر أنحت صروفه * عليّ وأودت بالذّخائر والعقد حذفت فضول العيش حتى رددتها * إلى القوت خوفاً أن أُجاء إلى أحد ويروى : تأثلته ، وهي رواية الموطأ ، ويقال : مخرف بفتح الراء وكسرها ، وأما كسر الميم فإنما هو للمخرف ، وهي الآلة التي تخترف بها التمرة أي : تجتنى بفتح الميم معناه البستان من النخل ، هكذا فسروه ، وفسره الحربي ، وأجاد في تفسيره ، فقال : المخرف : نخلة واحدة أو نخلات يسيرة إلى عشر ، فما فوق ذلك ، فهو بستان أو حديقة ، ويقوى ما قاله الحربي ما قاله أبو حنيفة ، قال : المخرف : مثل الخروفة ، والخروفة : هي النخلة يخترفها الرجل لنفسه ولعياله ، وأنشد : * مثل المخارف من خيلان أو هجرا * قال : ويقال للخروفة : خريفة أيضاً . حكم السلب للقاتل : وفي هذا الحديث من الفقه أن السلب للقاتل حكماً شرعياً جعل ذلك الإمام له ، أو لم يجعله ، وهو قول الشافعي ، وقال مالك : إنما ذلك إلى الإمام له أن يقول بعد معمعة الحرب : من قتل قتيلاً فله سلبه ، ويكره مالك رحمه الله أن يقول ذلك قبل القتال لئلا يخالط النية غرض آخر غير احتساب نفسه لله تعالى ، وقد ذكرنا في غزوة بدر في هذه المسألة ما هو أكثر من هذا . الملائكة في عزوة حنين : وقول جبير بن مطعم : لقد رأيت مثل البجاد ، يعني الكساء ، من النمل مبثوثاً ، يعني رآه ينزل من السماء . قال : لم أشك أنها الملائكة ، وقد قدم ابن إسحاق قول الآخر : رأيت رجالاً بيضاً على خيل بلق ، وكانت الملائكة فأراهم لذلك الهوازني على صور الخيل والرجال ترهيباً للعدو ، ورآهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعاراً بكثرة عددها ، إذ النمل لا يستطاع عدها مع أن النملة يضرب بها المثل في القوة ، فيقال : أقوى من النملة ، لأنها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف ، وقد قال رجل لبعض الملوك : جعل الله قوتك قوة النملة ، فأنكر عليه ، فقال : ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة ، وهذا المثل قد ذكره الأصبهاني في كتاب الأمثال مقروناً بهذا الخبر ، وقد أهلك بالنمل أمة من الأمم ، وهم جرهم . لغويات : فصل : وذكر قول عباس : * وسوف إخال يأتيك الخبير * الفعل المستقبل : هو يأتيك ، وإن كان حرف سوف داخلاً على إخال في اللفظ ، فإن ما يدل عليه من الاستقبال إنما هو الفعل الثاني كما قال : * وما أدري وسوف إخال أدري * وذلك أن إخال في معنى : أظن ، وليس يريد أنه يظن فيما يستقبل ، وإنما يريد أن يخال الآن أن سيكون ذلك ، وقوله : فإن يهدوا إلى الإسلام يلقوا * أُنوف النّاس ما سمر السّمير أنوف الناس انتصب على الحال ، لأنه نكرة لم يتعرف بالإضافة ، لأنه لم يرد الأنوف بأعيانها ، ولكن أشرافاً ، وهذا كقوله : * بمنجردٍ قيد الأوابد *